السبت، 6 أغسطس 2016

التصويرالشمسي 7 - أحمد المفتي

….

وصوّرنا يا زمن…


أصبحت القدس منذ عام 1861 المقصد المفضّل للمصورين ولنشاطاتهم ورحلاتهم.. يحطّون رحالهم فيها ثم ينطلقون منها في رحلات نحو الشرق والشمال والجنوب…

ومن هؤلاء المصورين المصوّر النمساوي أوتون فون أوستهايم Othon Von Ostheim، الذي قال عنه الكونت دو شامبور Conete de Chambord بعد أن قام برحلة إلى سورية 1861: "إن أوستهايم، كان ضابطاً في الخيّالة النمساوية، ويعمل الآن مصوّراً فوتوغرافيّاً في القدس منذ أوائل الخمسينات" وذكر في مذكّراته "يوميات رحلة في الشرق" أن أوستهايم رافقه في جولته إلى الخليل، والبحر الميت، وبعلبك، ودمشق، والتقط صوراً رائعة جميلة لهذه الأماكن..
كما رافق أوستهايم، أمبري أورليان في رحلته لسورية بين أيار وحزيران 1860، وعادا بألبومين تذكاريين.. ويحتوي ألبوم الدوق دو شارتر المحفوظ في متحف أورسي الباريسي، على ثلاث صور لدمشق، وواحدة لبيروت، من تصوير أوستهايم، أما ألبوم أخيه الكونت دو باريس Conete de Paris المحفوظ في المكتبة الوطنية الفرنسية.. فيتضمّن صورة للمجموعة التقطها أوستهايم في دمشق.

استقر أوستهايم في بيروت من سنة 1860 إلى 1862. وكانت بيروت المركز الرئيسي للتصوير الفوتوغرافي في سورية، ومقر العديد من المصوّرين الأجانب. وما يدلُّ على ذلك تلك الرسائل المتبادلة بين نائب قنصل أمريكا في حلب "هلال دوبيشيوتو، والسيّد جونستون القنصل الأمريكي ببيروت. وفيها يقول: "إنّ المواطن الأمريكي جول آش المقيم في بيروت، يدّعي أنّ له 600 فرنك فرنسي عند المصوّر الفوتوغرافي أوتون فون أوستهايم المقيم في بيروت، وهناك رسائل أخرى تكرر المزاعم نفسها"…
في 5 كانون الأول 1861 وصل إلى بيروت الباحث البريطاني تشارلز بيكي Charles Beke وزوجته إميلي Emily

في رحلة استكشافية تهدف تحديد ودراسة الطريق التي سلكها سيّدنا يعقوب نحو أرض كنعان. وتذكر إميلي في كتاب (هروب يعقوب، أو رحلة حج إلى حرّان). ومن هناك في خطى البطريرك إلى أرض الميعاد… Jacobs Flight, or Apilgrimage to Harran لندن 1865

، أنّها تدرّبت في بريطانيا على التقاط الصور استعداداً لهذه الرحلة. وتقول: "فور وصولي لبيروت اكتشفت أنّ معدّات التصوير التي أصطحبها قد تضرّرت نتيجة وقوع الصندوق الذي أعددته لها.. وبحثت عمّن يصلحها.. وعمّن يبيع مواد التظهير، فأرشدني صاحب الفندق لصيدلاني يعمل مصوّراً واسمه سونينو، قد يساعدني. وخرجت أبحث عنه في الأسواق المليئة بالناس السوريين وهم بملابسهم الزّاهية، ووصلت للمكان المعيّن، وإذا الناس قد اجتمعوا بدعوة فؤاد باشا إلى الساحة لصلاة الاستسقاء.. ورأيت سانينو وكان لطيفاً معي، فأعارني بعض معدّاته وساعدني في كلّ ما وصلت إليه، وأصلحت معدّاتي.
واسم المصوّر الحقيقي: بترو سانينو، الإيطالي الأصل والذي توفيّ في بيروت 1864،

وكان يزوّد المصورين الفوتوغرافيين منذ أواخر الأربعينيات بآلات التصوير ومواد التحميض والتظهير والتثبيت.. وقد تكون المسز إميلي أول امرأة التقطت الصور الفوتوغرافية في سورية. وقد بدأت التصوير من موقع نهر الكلب 13 كانون الأول ثم دمشق التي وصلتها في السابع عشر من الشهر نفسه، فأقامت في فندق تدمر ثم استيقظت لتروي عطشها وتملأ بصرها بما هو جديد… تقول: "كان الصّباح مشرقاً ورائعاً.  أعددت نفسي لالتقاط بعض المناظر الفوتوغرافية للمدينة ، والتي وفّرت لي الشرفة العالية للفندق موقعاً ممتازاً للغاية، وبعد أن أصبحت على استعداد تام لبدء عملي، صارت السماء معتمة، وصرخت خائفة من أن يكون تعبي قد ذهب سُدَى.. ومع ذلك التقطت بعض المناظر الجيّدة جداً"…
ومن سوء الحظ أنّ معظم ما صوّرته إميلي قد أتلف أثناء عبورها نهر الأردن باستثناء بعض الصور التي نشرت فيما بعد بطريقة الطبع الحجري في كتابها. تقول إميلي: "لقد أصبت بالأسى بعد أن تسرّبت المياه إلى معدّاتي الفوتوغرافية، وإلى كلّ المناظر التي التقطتها، وأتلف القسم الأكبر، وخسارتي لا تعوّض بعد كل المتاعب التي جلبتها على نفسي، وبعد أن كانت أكثر المناظر ناجحة للغاية".

لقد كثّف المصوّرون المحترفون نشاطاتهم في مصر وسورية أواخر خمسينات القرن التاسع عشر للطلب المتزايد على الصور من هذين المنطقتين من العالم… فكان المصور الألماني المحترف "فيلهلم همرشميدت" الذي افتتح استديو في القاهرة، وأنتج نوعية ممتازة من الصور بالإضافة إلى كميات كبيرة من بطاقات الزيارة التي تظهر المناظر الطبيعية والحرفيين. والتقط صوراً للمعابد الفرعونية والأزياء المصرية. كما تجوّل في فلسطين وسورية والتقط صوراً رائعة، وتمتاز صوره بالتفاصيل المعمارية الدقيقة والمشاهد البانورامية. وقد عرض صوره عام 1861 في الجمعية الفرنسية للتصوير الفوتوغرافي التي قبلته عضواً فيها.
وفي العام 1865، قام الكاتب الفرنسي جول دوفوريس Jules de Vorys (1838 – 1928) يرافقه صديقه الرسام فرنان برحلة إلى سورية لمدة شهرين، التقط فيها دوفوري مجموعة صور لفلسطين ولبنان ودمشق وحلب. وكان دوفوري شاعراً وصحفياً أصدر كتاباً بعونان "نزهات شرقية".
ومن أبرز المصورين البريطانيين المحترفين الذين التقطوا صوراً لدمشق، وكان عضواً في جمعية لندن للتصوير الفوتوغرافي: فرانك ماسون غود (1839 – 1928). وقد قام بأربع رحلات إلى الشرق، الأولى كانت 1866 بتكليف من المصور فرانسيس فريث. وتجوّل فيها في مصر وفلسطين ولبنان ودمشق وتركيا واليونان، وفي الرحلة الرابعة التقط لدمشق 17 صورة رائعة. وبالإضافة للتفاصيل المعمارية والمناظر الطبيعية التي امتاز بها غود، التقط صوراً للأزياء والحرف السورية. واستخدمت صوره في كتب الرحلات، منها ما كتبه هنري بايكر تريسترام بعنوان "معابر فلسطين" وفيه صورة بانورامية لدمشق يعلّق عليها تريسترام أسقف مدينة درم Durham البريطانية أنّ الصورة التقطت من فوق سطح أحد البيوت في سوق النحّاسين، وهي تظهر معالم سطوح المنازل الدمشقية المعاصرة والجامع الأموي، ويضيف: "إنّ دمشق كانت المدينة السورية الوحيدة التي لم تسقط ولو ليوم واحد في أيدي الصليبيين على الرغم أنّهم اقتربوا منها المرّة تلو المرّة. حتى أنّ الملك بالدوين وصل إلى أسوارها، وسرعان ما ارتدّ عنها خائباً"…

وفي العام 1863 أعلن الصحفي والناشر الفرنسي ستراسبورغ شارل لالمان عن نشره لسلسلة بعنوان "المعرض العالمي للشعوب" وأصدر نشرة دعائية لها بهدف الحصول على اشتراكات للتمويل، وأنّ هدفه تصوير الأزياء الوطنية التي تمحى قليلاً قليلاً من الوجود.. وظهرت السلسلة موشّحة بالصور بأسلوب الحفر. وكان لالمان قد أعلن أنّه سيستعين في هذا المشروع بالمصور البريطاني لودفيكيو هارت، وكان هارت من عناصر سلاح الهندسة الملكية وسبق أن نشر 1860 كتيّباً بعنوان (التصوير مبسّطاً). ووعد لالمان المشتركين بمئة صورة فوتوغرافية إلى جانب نص من مئة وخمسين صفحة ابتداء من كانون الثاني 1865. وتجوّل هارت ولالمان في مصر وسورية سنة 1864 والتقطا صوراً نوعيةً جيّدة، ونشر لالمان مجموعة من 41 صورة تظهر الأزياء والحرف وأعيان دمشق وعلماءها وحرفييها وعازفيها، وباحة القنصلية البريطانية في المدينة. وفي العام 1865، أصدر لالمان طبعة محدودة من /60/ نسخة لكتاب عنوانه "سورية.. الألبسة والرحلات والمناظر الطبيعية".. يحتوي على 18 صورة فوتوغرافية لدمشق ملوّنة باليد…

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق