الجمعة، 14 أكتوبر 2016

التصوير الشمسي 13 - أحمد المفتي



وصوّرنا يا زمن…  

المبشّرون بلباس الحجّاج -ب-



اتفق ثلاثة مبشّرين أمريكان في سنة 1894 على إصدار كتاب مصوّر يحكي حياة السيّد المسيح عليه السلام وحواريه (الرّسل). وهم:


1-      المطران جون هــ. فينسنت John H. Vincent مؤسس حركة شوتوكوا Chautauqua في جميع أنحاء العالم...


2-      الكاتب الأسقف جيمس و. لي James W. Lee.

3-      المصور الفوتوغرافي الحائز على جوائز عدّة "روبرت باين" Robert E. Bain.


وبدلاً من شراء الصور التي كانت متوفّرة في الأسواق قرروا التقاط صور جديدة خاصة بمشروع الكتاب. ولذلك قدموا إلى سورية ومصر وتركيا واليونان وإيطاليا. وقد حملوا معهم رسائل توصية وتعريف من الرئيس الأمريكي ووزيرا الداخلية ووزير التعليم موّجهة إلى المسؤولين العثمانيين لكي يسمحوا لهم بالتصوير. وخاصة الأضرحة والحرمات المقدّسة التي كانت ممنوعة على الأجانب.

غادرت البعثة برفقة المبشرين الثلاثة مدينة سانت لويس في آذار 1894 حاملة معها تسعة صناديق من الألواح الزجاجية وزن كلّ واحد منها حوالي ثلاثين كيلوا غراماً، 



وخلال جولتهم في سورية كانت قافلتهم تتألف من أربعة أحصنة وثمانية مرافقين بمن فيهم الدليل والطاهي والخادم، وأربع خيام وخمسة بغال.
ويتضمّن كتاب "الخطوات الأرضية للرجل من الجليل" Earthly Footsteps of the Man of Galilee نماذج من الصور التي التقطها باين وسرداً مفصّلاً لهذه الرحلة. وبعد جولتهم في فلسطين، وصلت القافلة إلى الصالحية في 13 أيار حيث التقط باين أوّل صورة لدمشق. وكانوا قد مرّوا في طريقهم من قاسيون والصالحية وعبروا البساتين والجنان والأنهار والجداول التي تتمتع بها دمشق. حيث كان طريق القوافل القادم من الغرب يأتي عن طريق قاسيون والصالحية، ولم يكن طريق الربوة قد وجد بعد.. ثم دخلوا المدينة من بوّابة ذات قوس تقع في السور الغربي وأقاموا في فندق فكتوريا.

يحتوي الكتاب الذي ألّفوه على 38 صورة لدمشق وضواحيها، ومنها صور الكنائس والكتابات اليونانية والرومانية، ونهر بردى، والمقاهي، ومشاهد من الشوارع والمساجد والحدائق، وشارع مدحت باشا، الخ...
وتحتفظ مكتبة الكونغرس في وواشنطن بمجموعة من الصور التي التقطت خلال تلك الرحلة...
وفي يوم الأربعاء 16 أيار 1894 التقط باين بالمصادفة صور تمرّد السجناء في دمشق والذي جاء وصفه له كما يلي:


"كنّا على العشاء مع 15 أو 20 من رجال الأعمال الفرنسيين الموجودين في سورية في ذلك الوقت لمتابعة مصالحهم في خط سكة الحديد بين بيروت ودمشق. فجأة توقفت الأحاديث بعد أن سمعنا صوتاً مرعباً ومزعجاً أمام الفندق، وعلى الفور اندفع الجميع إلى الشرفة الأمامية في الطابق الثاني من فندق فكتوريا. كانت الساحة العامة أمامنا مزدحمة بالناس، ومن الفتحة في وسط سجن المدينة كان السجناء يقذفون الحجارة، في حين كان الجنود في الأعلى يطلقون النار على السجناء في الداخل.
لم يسبق لي أن شاهدت إنساناً يطلق النار على آخر.. وقد بدأ الزعيق الهادر الآتي من 500 سجين في الداخل، وكأنّه تعبير عن اليأس والجوع والتعاسة المطلقة. كان الأمر مرعباً إذ سقط عدد من القتلى والجرحى، وبعد ساعة من الترقّب المخيف، تم إخماد التمرّد...".

استغل بابين هذه المشاهد، فنصب كمرته على الفور وبدأ بالتقاط الصور. وصدف أن شاهده أحد الفرنسيين فأسرع ينبهه بحركات عنيفة وتهديده بأنّه إذا اكتشف أحد الضبّاط الأتراك الكمرة وشاهده يلتقط الصور فلسوف يصبح هو في السجن وتصادر الكمرة. وسرعان ما أنزل الكمرة والحامل وأخفاها بعد أن استطاع أن يلتقط ثلاث صور. وتعتبر لقطات باين لتمرّد السجناء أوّل تحقيق مصوّر جرى في دمشق.

إن الصور التي التقطها باين في دمشق هي مشاهد مبتكرة لم يسبق لأي مصوّر فوتوغرافي أن التقطها من قبل.. فالمناظر السابقة التي التقطها المصورون المحترفون كانت تميل إلى التركيز على المعالم البارزة كالمسجد الأموي والشارع المستقيم، في حين أن باين سجّل نواحٍ مختلفة من الحياة الاجتماعية فالتقط صوراً للمقاهي وللحياة اليومية للدمشقيين.

الاثنين، 10 أكتوبر 2016

التصوير الشمسي - 12 - أحمد المفتي

وصورنا يا زمن  - أ -

المبشرون  بلباس الحجاج 


كان جورج إيستمان George Eastman الخبير في صفائح الجيلاتين الناشفة يجري بعض التجارب والبحوث لإيجاد أسلوب جديد في التصوير ليتجاوز الأساليب القديمة المعقّدة.. 

وتمكّن سنة 1888 من تصميم وتسجيل براءة اختراع لأفضل كاميرا للهواة حينها وأطلق عليها اسم كوداك... وزوّدت ببكرة وعليها الجيلاتين بقطر (5سم) والفيلم الجيلاتين (نيكاتيف) سالب، وحين ينتهي المصوّر من التصوير، 


يعيدها إليه ويزوّده بفيلم جديد بعد أن يظهر الفيلم المصوّر (نيكاتيف + بوزاتيف) سالب ومظهر، وكان شعار إيستمان (اضغط على الزر، ونحن نتولّى الباقي).
لقد أحدث ذلك ثورة في عالم التصوير، حيث أصبح هذا الفن في متناول الجميع. وفي سنة 1889 طرحت أول كاميرا (كوداك) في الأسواق وكانت 



أخفّ وزناً وأصغر حجماً من سابقاتها. وهكذا انتشر التصوير بسرعة في جميع أنحاء العالم...


وكما سعى السلطان عبد الحميد الثاني إلى الإعلان عن إنجازاته بواسطة التصوير الفوتوغرافي. 



لجأ المبشّرون إلى المسيحية الأمريكيون والبريطانيون والفرنسيون وغيرهم إلى الأسلوب ذاته.. وكانت البعثات الإنجيلية العاملة في أنحاء مختلفة من سورية تلتقط الصور لنشاطاتها منذ مطلع ستينيات القرن الماضي.

في ربيع 1877 حقق المصوّر البريطاني الهاوي ج. هــ. إيغرتون G. H. Egrton كاهن مدينة ليتشفيلد البريطانية أمنية حياته بزيارة الأراضي المقدّسة. ويصف إيغرتون وصوله مع رفيقين إلى يافا في 19 آذار 1877 في كتابه "رسائل من الشرق" ويسهب في وصفه حين زار دمشق في 17 نيسان إبريل حيث قطع حزاماً أخضر من حدائق تحيط بدمشق، ويبلغ عرض الحزام حوالي ثلاثة أميال كما يقول. ويصف جانباً من نشاطه بدمشق بقوله:

"استيقظنا في وقت مناسب وانطلقنا عند الساعة السابعة صباحاً مع أحد الأولاد لالتقاط الصور. فذهبنا بداية إلى الجامع الكبير، ثم صعدنا إلى سطح أحد المنازل، حيث تسلّقنا وقفزنا فوق بعض الفجوات الواسعة، وأية سقطة كان يمكن أن تؤدي إلى كسر العظام، إذا لم يكن كسر الأعناق. وقد نجحت في نصب الكاميرا عند نقطة تؤمّن رؤية جيّدة لقوس النصر القديم. وكذلك التقطت صورة القوس والكتابة المسيحية. ومع ذلك كنت في قلق شديد للغاية. إذ أنني أخشى أن لا تظهر بصورة حسنة.
بعد ذلك توجّهنا إلى الشارع الذي يعرف بالمستقيم، ودخلنا إحدى المدارس الإسلامية. وهناك الأعمدة القديمة التي يبدو أنها كانت تشكّل أقواساً على مدى الشارع. وبعض الأعمدة القليلة الباقية جرى البناء حولها أو عليها من الجانبين. وقد سمح لي بتصويرها وكان ذلك بمثابة فضل كبير".


كان كتاب "رسائل من الشرق" يباع عن طريق الاشتراك فقط، ويتضمّن 81 صورة أصلية ملصقة باليد التقطت في سورية ومصر وتركيا واليونان...


السبت، 13 أغسطس 2016

التصوير الشمسي (11) …. - أحمد المفتي



وصوّرنا يا زمن…

المصوّرون العثمانيون….


إضافة لنشاطات المصوّرين الفوتوغرافيين المحترفين الذين افتتحوا استديوهات في بيروت ودمشق والقدس والقاهرة،

فقد عمدت السلطات العثمانية إلى تصوير الأزياء الوطنية في السلطنة العثمانية استعداداً لمعرض عثماني ضخم.

. أقيم لاحقاً في فيينا سنة 1873، وتمّ تكليف المصوّر السرياني الأصل باسكال سبّاح Pascal Sabah (1823 – 1886)، وكان باسكال قد افتتح استديو سنة 1857 سمّاه (الشرق) في سوق توم-توم في استانبول ثم نقله 1860 إلى 439 شارع بيرا الكبير، وكلّف مصوّراً فرنسياً اسمه لاروش لإدارته حتى سنة 1873 عندما أرسله إلى القاهرة لافتتاح استديو قرب فندق (شبرد)..

بعد وفاة سبّاح 1886 تولّى شقيقة كوزمي إدارة الاستديو لمدّة سنتين، ثم حلّ ابن باسكال جان (1872 – 1947) وشارك مصوّراً فرنسياً كان يعمل في استانبول واسمه بوليكارب جوالييه.. وتحوّل اسم الاستديو سنة 1888 إلى سبّاح وجوالييه.. وكان جان يوقّع باسم جان باسكال سبّاح كي يستفيد من شهرة أبيه.. وظلّ المصوّران ناشطين حتى نهاية القرن التاسع عشر عندما عاد جوالييه إلى باريس وباع جان الاستديو في سنة 1908م.

التقط باسكال صوراً في سورية، من بينها الأزياء الدمشقية التي ظهرت في كتاب "الأزياء الشعبية في تركيا" Les Costumes Populares de la Turquie الذي أعدّه الفنان التركي حمدي بك 1873 بالتعاون مع الفرنسية ماري دو لوناي، والذي صدر بمناسبة معرض فيّنا. ولاشكّ أنّ معظم الصور التقطت في استديو سبّاح، وقد زار باسكال سورية وبعض صوره تشمل دمشق وبيروت وحلب، وهي محفوظة ضمن مجموعة الصور الخاصة بالسلطان عبد الحميد الثاني (قصر يلدز)..


خلال فترة الشراكة بين سبّاح الابن وجوالييه، وهما المصوّران الرسميان للسلطان، تمّ تكليفهما من قبل السلطان عبد الحميد بالتقاط الصور كجزء من حملة إعلامية للسلطان هدفها إبراز عملية التحديث الواسعة في أنحاء السلطنة أيام حكمه… والتقطا في دمشق صوراً من بينها صورة لطلاب المدرسة السلطانية العسكرية العليا وغير ذلك من المواقع..

وفي العام 1893 أهدى السلطان عبد الحميد مجموعة من 51 ألبوماً تتضمن مئات الصور الفوتوغرافية التي تغطي مختلف أنحاء السلطنة العثمانية إلى الملكة فيكتوريا التي أودعتها المتحف البريطاني. ورئيس جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية، وتحتفظ بها الآن مكتبة الكونغرس في واشنطن. وخلال العقود الأخيرة من السيطرة العثمانية التركية، تجوّل العديد من المصوّرين العثمانيين في أنحاء سورية بما فيها دمشق، وتركوا لنا صوراً معظمها غير موقّع.. ولابدّ من دراسة هذه الصور وتوثيقها وإجراء دراسة حول هذه الفترة المهمّة التي لم تدرس بعد.


الخميس، 11 أغسطس 2016

الصوير الشمسي ( 10 ) .... - أحمد المفتي




وصوّرنا يا زمن…

أوّل المصوّرين السوريين….

استعانت مؤسسة بونفيس بالإضافة إلى المصوّر رمبو بخدمات المصوّر جورج صابونجي (1840 – 1910)  
وهو شقيق لويس صابونجي أوّل مصوّر فوتوغرافي سوري.. وكان قسم من عائلة صابونجي قد هاجر من ديار بكر واستقر في بيروت وحلب ويافا والقاهرة والهند مطلع الخمسينات من القرن التاسع عشر ..
وكان لويس صابونجي (1833 – 1931) ممن هاجر إلى بيروت سنة 1850 والتحق بدير الشرفة في بزمّار للدراسة حتى سنة 1854، عندما أوفده بطريرك السريان الكاثوليك إلى روما لدراسة اللاهوت.. وفي روما تعلّم التصوير الفوتوغرافي، وفي سنة 1872 قام بجولة حول العالم والتقط صوراً للمدن التي زارها، واستخدم الصور لتزيين خريطة ضخمة كانت تغطي جدار غرفته.. وكان لويس مخترعاً، حيث أجرى تطويراً لجهاز طبع الصور وسجّل اختراعه 1875 بمكتب التسجيل بلندن تحت الرقم 1863. وبيعت حقوق 

الاختراع لشركة ستريوسكوبيك. واخترع أيضاً آلة فوتوغرافية اتوماتيكية آلية وهي أصل كمرة البولارويد المعروفة بطبع الصورة مع التقاطها.. وتم تقديمها للجمعية الفرنسية للفوتوغرافيا. كما أسس لويس صابونجي شركة حملت الأحرف الأولى من اسمه (ل.ص. وشركاه) L.S.&Co. كانت تبيع مناظر المدن والمناطق الريفية في بريطانيا.
حين عاد لويس من روما إلى بيروت سنة 1863 علّم أخاه جورج فن التصوير الفوتوغرافي، ويذكر الكونت فيليب دو طرازي في كتابه (تاريخ الصحافة العربية) أن لويس هو من أدخل فن التصوير الفوتوغرافي إلى بيروت، وقبله لم يكن معروفاً، وعلّمه لأخيه الذي أصبح معروفاً. أي أنّه أول من افتتح استوديو.

نشر لويس صابونجي مقالاً في مجلّته (النّحلة) التي أصدرها في لندن يقول فيها: إنّه تلقّى عدداً من الصحف من القاهرة وبيروت تشيد بأعمال أخيه التصويرية، وأضاف: "إنّ هذا الشاب النبيه درس مبادئ هذا الفن منذ بضع سنين، حين كنّا مقيمين في حاضرة بيروت، ثم مهر فيه ونبغ وفاق أقرانه من مصوري سورية شرقيين وأوروبيين، وقد اطّلعنا على بعض تصاوير أرسلها إلينا إلى لندن، فرأيناها تصاوير جميلة، غاية في الجمال، استوفت شروط الإتقان، وعرضناها على أشهر مصوري لندن فاستحسنوها وأثنوا على مصوّرها النبيه. ولـمّا شرفت دولة والي سورية الجديد صاحب الأبّهة مدحة باشا العظم، أيّده الله،

سمع بصيت هذا الشاب الماهر في فن التصوير، واستحسن أن يأخذ له صورة. فتشرّف المصور الموما إليه بأخذ رسم دولته، وجاء الرسم مستوفياً شروط الإتقان والكمال فسرّت دولة الوالي الفخم بالتصوير غاية السرور وأثنت على نباهته. ثم قدّم المصور المذكور لدولته مناديل من كتّان، وقد رسم عليها صورة دولة الوالي الأفخم، فازدادت دولته سروراً بذلك وأصدرت أمراً إلى المصور بأن يصنع ستة وثلاثين منديلاً، ففعل وقدّمها لدولته، ولـمّا رآها أكثر إتقاناً من الأول أنعم على المصوّر بأن يكون مصوّر دولته الخاص. وأذن له بوضع عبارة: (جرجس صابونجي مصوّر دولتو مدحت باشا والي سورية الأفخم) على الصور التي يأخذها"


كان جورج صابونجي من أبرز أعضاء (جمعيّة الصناعة) التي تأسست في بيروت سنة 1882 بهدف تشجيع الصناعة الوطنية وتوعية المواطنين على أهمّية التصنيع، كما أسس مصنعاً للصابون.. ومن هنا كان لقب العائلة صابونجي.. كما هو حال بائع الشوربة (شوربجي) وبائع التنباك (تنبكجي) والتتن (توتونجي) وصانع الزنبرك (زنبركجي) والقيمق (قايمقجي) …. الخ.

ذكرت جريدة (لسان الحال) إنّ جورج هو صاحب معمل الصابون السلطاني الممتاز على البرج.. وكانت مجلّة المقتطف المصرية تنشر مقالات لجورج صابونجي يحكي فيها عن فن التصوير الفوتوغرافي وبعض الصناعات… ويذكر المستشرق الألماني أدوارد زاخاو في كتابه رحلة في سورية وما بين النهرين أنّه في خريف 1879 التقى جورج صابونجي في دمشق، وكان يحزم حقائبه ليلتقط صوراً لتدمر وشمال سورية. واتفق زاخاو مع المصوّر على أن يلتقط له بعض الصور لقاء تعويض مالي. وكان الباحث الألماني مسروراً بصور الصابونجي التي التقطها له. وسمح لصابونجي باستخدام لقب (مصوّر جامعة برلين الملكيّة).
في العام 1895 نشرت Oriental Adventure مشروعاً فوتوغرافياً قدّمه جورج صابونجي إلى ولاية بيروت التي رفعته بدورها إلى وزارة الداخلية في استانبول. واقترح في مشروعه الحصول على ترخيص لإنشاء شركة فوتوغرافية الغاية منها تقديم التسهيلات لعشاق التصوير. وتحقيق التطور في صناعة التصوير وتقديم ألبومات وفكرة اليانصيب الذي سيستفيد منه بعض الناس ودفع 3000 فرنك تقدّم للفقراء حصيلة تصوير مجموعة من الناس.. أي دفع ضريبة. ورفعت الفكرة لوزارة الأشغال..
كان صابونجي شريكاً للمصور غرابيد كريكوريان المقيم في القدس، وكان يبيع صوره في الاستديو الخاص به الكائن في سوق القمح قرب البنك العثماني في بيروت، وقد نشط في التقاط صور شخصية وبطاقات الزيارة لأبرز الشخصيات السورية. ويمكن العثور على ألبومات مصوّرة من تلك الفترة ملتقطة في سورية وفلسطين ولبنان ومصر وتركيا وموقّعة من قبل صابونجي.



في العام 1884 في تمّوز نشرت مجلّة النحلة إعلاناً فيه "تصوير مناظر البلاد الشرقية: قد اتقنّا بعونه تعالى صناعة تصوير الشمس (الفوتوغراف) إتقاناً تاماً شهد لنا به أبرع المصورين بأوروبا، وقد استحضرنا على عدد وافر من تصاوير مناظر البلدان والمدن مثل مصر وأهرامها ومدنها وهياكلها القديمة، وتصوير بحر النيل وشلالاته والصعيد، وتصاوير خليج السويس، ويافا، وعكا، والقدس الشريف، والناصرة، وبحيرة لوط، وطبريا، وجبل الكرمل، وصيدا، وبيروت، وأرز لبنان، ونهر الكلب، وبعلبك، ودمشق الشام، باب الكعبة، والأستانة وما يجاورها.. إلى غير ذلك من التصاوير الجميلة وعندنا منها من كلّ صنف وقياس بأسعار متهاودة جداً، فمن أراد ابتياع شيء منها فليخابر محلنا في بيروت ويعنون رسائله باسم جرجس صابونجي المصوّر بساحة القمح في بيروت (سورية) ومن أراد منها شيئاً في أوروبا فليخابر وكيلنا الخواجة إبراهيم صابونجي في إدارة النحلة في (لندن)"….

الاثنين، 8 أغسطس 2016

التصوير الشمسي (9) ….- أحمد المفتي



وصوّرنا يا زمن…



المصوّرون المحترفون المقيمون:

وصل التنافس بين فرنسا وبريطانيا في أربعينيات القرن التاسع عشر إلى درجة الانفجار، فقد أدّت حملة محمد علي باشا على سورية 1831 بقيادة ابنه إبراهيم باشا إلى زيادة النفوذ الفرنسي، مما دفع بريطانيا إلى زيادة دعمها للعثمانيين بهدف طرد المصريين من سورية، فقد كانوا يخافون من أن تسيطر فرنسا على طريق التجارة إلى الهند، وترافق ذلك نشاطالمصوّرين الفوتوغرافيين الذين كانوا العين التي تنقل إلى الغرب كلّ ما يجري ويدور.


في هذا الجو المشبع بالسيطرة على طريق الهند جاء المصوّر الفرنسي الهاوي جان بابتيست شارلييه Jean Baptiste Charlier (1822 – 1907) إلى لبنان في أواسط الأربعينات لتأسيس مصنع لغزل الحرير في عين حمادة في قضاء المتن بالمشاركة مع أقرباء له. وقد افتتح سنة 1867 مكتبة أسماها ( المكتبة الفرنساوية) في سوق الطويلة في بيروت، والتقط صوراً لدمشق بالإضافة لمناطق في لبنان وفلسطين، وكان اهتمامه تصوير الحياة الاجتماعية من مهنيين وحرفيين، وصوّر المناطق التي تهمُّ الحجّاج والسيّاح، وصوّر الجامع الأموي بدمشق وسور المدينة ونهر بردى وغير ذلك.
في سنة 1875، باع شارلييه مجموعته من النيكاتيف لجاره المصوّر الفرنسي ادوارد أوبان Edouard Aubin الذي كان ناشطاً في بيروت في مطلع السبعينات

 من خلال الاستديو الذي أسماه (الكفّ الأحمر) في سوق الطويلة. ومع أنّه لا يُعرَف إلاّ القليل من أعماله، فإنّ شعاره الذي طبعه على صوره يشير إلى أنّه مختص بالمناظر والأزياء الشرقية. وتمتلك المكتبة الوطنية في باريس ألبوم صور له يضمُّ ثلاثين صورة لنساء عاريات التقطها أوبان في بيروت، وقام بتسويقها في أوروبا واعتمدها الرسّامون الأوروبّيون الاستشراقيّون في لوحاتهم، وراجت في المجتمع الأوروبي رواج النار في الهشيم…
افتتح المصرو الإيطالي من أصل فرنسي، تانكراد دوماس Tancrad Dumas (1830 – 1905)

 في مطلع الستينات استديو للتصوير في بيروت قرب شارع بيل فيو Belle Vue على شاطئ البحر. وكان قد شارك في استديو باستانبول. ويذكر دوماس في كاتالوغ من صفحتين طبع في ميلانو سنة 1872 أنّه تجوّل في مصر وفلسطين وسورية والعراق وتدمر والأناضول واليونان واسطنبول والهند، وكان يحمل لقب (المصوّر الفوتوغرافي الرسمي للبلاط الامبراطوري البروسي). وتضمّن الإعلان عرضاً لبيع 260 صورة من بينها 25 صورة لدمشق، تتضمّن صور الجامع الأموي والصالحية ونهر بردى وباب شرقي والسور وضريح صلاح الدين،
 ومناظر أخرى عامّة لمدينة دمشق. وخلال الفترة ما بين شهري آب وتشرين الأول سنة 1875 عمل دوماس مصوّراً رسميّاً لبعثة الجمعية الأمريكية لاستكشاف فلسطين، والتي ترأسّها الكولونيل سيلاه ميريل Selah Merrill بهدف استكشاف مناطق شرق الأردن، ونشرت مجلّة النحلة إعلاناً على شكل رسالة مؤرّخة في الأول من نيسان 1878 يعرض فيها دوماس بيع أربعة ألبومات تتضمّن صوراً التقطها في مصر وسورية وتدمر والأناضول واليونان واستانبول.
بونفيس…. وفريقه من المصوّرين…


في سنة 1867 جاء إلى لبنان المصوّر الفرنسي فليكس بونفيس Felix Bonfils (1831 – 1885) وأنشأ استديو للتصوير في بيروت بالقرب من القنصلية الفرنسية. ومن بيروت انطلق مع فريق من المصوّرين عملوا معه برحلات تصويرية إلى أنحاء مختلفة من سورية ومصر وتركيا واليونان. حيث التقطت آلاف الصّور.


وكان من أبرز المصوّرين الذين عملوا معه: هنري رومبو، وقيصر حكيم، وجورج صابونجي. في العام 1876 قرر بونفيس تسويق المناظر التي التقطها مع فريقه (مؤسسة بونفيس) انطلاقاً من مدينة آليه Ales في مقاطعة غارد Gard الفرنسية، حيث أصدر مجموعات مؤلّفة من مجلّدات عدة في طبعات وأحجام مختلفة بعنوان (ذكريات من الشرق). وتولّت زوجته ليدي كابانيس بونفيس 1837 – 1918 إدارة الاستديو فترة غيابه، وواصلت إنتاج صور عديدة تظهر الأزياء السورية.

كان إدريان بن فليكس بونفيس Adrien Bonfils (1861 – 1929) يقوم بخدمته العسكرية في الجزائر عندما توفّي والده فليكس 17885، وسرّح من الجيش لأنّه المعيل لعائلته، فعاد إلى بيروت لإدارة مؤسسة بونفيس، وسرعان ما أثبت أنّه مصوّر فوتوغرافي موهوب، لكنّه تخلّى عن المؤسسة عام 1897 وأسس فندقاً في برقانا المتن – لبنان. وأدرات والدته المؤسسة بمساعدة المصوّر إبراهام غيراغوسيان (1872 – 1955) ثمّ باعته الاستديو عام 1907.
أنتجت مؤسسة بونفيس آلاف الصور خلال 35 سنة من نشاطها في بيروت، وعرض فليكس بونفيس سنة 1876، في الكاتالوغ الأول الذي أنتجه 46 صورة لشوارع دمشق ومساجدها وكنائسها ومواقعها الرئيسية، بالإضافة إلى مشاهد عامّة وبانورامية للمدينة.
وأصدر ابنه أدريان في بيروت سنة 1901 دليلاً يحتوي على أكثر من 1600 صورة، منها 69 صورة لدمشق، منها صور بانورامية مكوّنة من ثلاث لقطات، وكذلك لقطات للأزياء الدمشقية وللحرفيين ولاحتفالات محمل الحج الشامي.


كتب أدريان عمّا طرأ على الجمال للطبيعة في سورية والتغييرات التي حلّت باسم التطوّر... "في عصر البخار والكهرباء الذي نعيشه.. كلّ شيء حولنا يبدو متغيّراً، حتى الطريق الخالد إلى دمشق الذي شهد اهتداء بولس الرسول لم يعد أكثر من خط سكّة حديد بدائي، وقبل أن ينفذ التطوّر عمله التدميري بشكل كامل، وقبل أن يختفي الحاضر الذي هو نفسه الماضي، يمكننا القول أننا نحاول تجميل الحاضر وتثبيته في سلسلة من المناظر المصوّة التي نقدّمها"..
والتقط أدريان صوراً للمراحل الأخيرة من تركيب القضبان الحديدية لخط سكّة الحديد بين بيروت ودمشق. وجمعت الصور في ملفٍّ فاخر وُزّع على الضيوف المرموقين أثناء التدشين في بيروت 3 آب 1895 بحضور قائد الجيش السلطاني الخامس والأعيان.
كان من بين مساعدي بونفيس، المصوّر الفرنسي هنري رومبو المدرّس في مدرسة الآباء اليسوعيين لمادة الرياضيات. وكان بونفيس قد عرض عليه افتتاح استديو في دمشق.. إلا أنّ خلافاً نشأ بينهما أدّى إلى إقامة دعوى قضائية ربحها رومبو وافتتح في دمشق 1877 استديو في حي النصارى بدمشق. ويعتبر رومبو من أوائل المصورين الذين التقطوا صوراً لتدمر بعد لويس فين 1864. وأوّل من التقط صوراً لتدمر كان هوارس فيدلي.
إنّ إنتاج مؤسسة بونفيس لهذا الكمّ الكبير من الصّور، لا يمكن أن يعزى لبونفيس فقط، وإنّما يجب الإشارة إلى فريقه وعلى رأسهم دوماس، ورامبو، وصابونجي، وحكيم. ومن بين المصوّرين المحترفين الذين انتقلوا لبيروت

 إبراهام صرافيان (1875 – 1926) وقد بدأ نشاطه في ديكرانجرد مسقط رأسه بجنوب تركيا، وأسس مع شقيقيه بوغوص وصموئيل استديو صرافيان اخوان.

والتقط الأخوة صرافيان العديد من الصور في الشرق، وسوّقوها على شكل بطاقات بريدية، وكانت دمشق لها الحظّ الأوفر في إنتاجهم.

وانتقل إلى بيروت أيضاً المصوّر الألماني جول ليند من إزمير بتركيا. ويزخر إنتاجه بتصوير العائلات الدمشقية والبيروتية.. وكبار الشخصيّات.